01.08.2009 22:08

متى يتصالح الساسة مع القانون في موريتانيا ؟


المحامي/ محمد سيدي ولد عبد الرحمن mohsiab@yahoo.fr


لا يخفى على المتتبع لتسلسل أحداث السنة المنقضية في موريتانيا أن ساستها استحقوا وصف عدم الإنصياع للقانون، فإثر تعطيل الجنرال محمد ولد عبد العزيز لدستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية بانقلاب السادس أغشت 2008 تهافت على نصرته أغلب المنتخبين وأيده زعيم المعارضة الديمقراطية السيد أحمد ولد داداه الذي اعتبر الإنقلاب تصحيحا..

وما لبثنا غير شهرين حتى قرر حكام موريتانيا الجدد تسخير قضائها لتصفية الحسابات مع خصومهم السياسيين كما تثبته الوثيقة موضوع الإحالة رقم 36/2008 الصادرة عن وزير العدل بتاريخ 26 أكتوبر 2008 والمسجلة في نفس اليوم بالبريد الوارد على المدعي العام لدى المحكمة العليا تحت رقم 1404، التي تأمر القضاة بالعمل على "نفض الغبار" عن ملف تصفية الخطوط الجوية الموريتانية حتى تتسنى متابعة السيدين ولد بيه وولد الوقف على خلفية معارضتهما للنظام الجديد.

ولم تسلم المعارضة السياسية، التي وقفت ضد الإنقلاب، من انتهاك القانون عندما وقعت مع باقي الفرقاء اتفاق داكار الذي ينص على تنظيم انتخابات رئاسية لا تحترم الآجال الملزمة في القانون الموريتاني.. حتى المجلس الدستوري لم يرض التخلف عن قطار التجاوزات عندما رجح هذا الإتفاق المخالف للقانون وطبقه على حساب المقتضيات الدستورية والقانونية ذات الصلة.

ينبغي على الموريتانيين استحضار خطورة إجماع قواهم السياسية على انتهاك القانون في سابقة صارخة ويتوجب العمل على إرغام الفاعلين على الإعتراف بهذا التجاوز والإعتذار الصريح عنه قبل أن ينكب جميع المواطنين على تكريس سيادة دولة القانون التي تعتبر الضمانة الوحيدة للرقي والتنمية.

وبينما يترقب الموريتانيون العودة للنظام الدستوري إثر تغير معطيات الواقع القانوني باستقالة رئيس الجمهورية السابق السيد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وانتخاب الجنرال محمد ولد عبد العزيز رئيسا في اقتراع يوم 18 يوليو 2009 (انتخابا يحق لسوادنا الأعظم أن لا يمعن في الرجوع لنواقصه) يسوغ للموريتانيين طي صفحة الإنقلاب على الشرعية ويغدو من واجبهم تجسيد التحول بالرجوع لأحكام القانون ومطالبة القادة السياسيين بالتوبة النصوح ندما وإقلاعا.

وطبقا لمقتضيات الدستور الموريتاني سيقسم رئيس الجمهورية المنتخب، قبل مباشرة مهامه، بالله العلي العظيم أن يؤدي وظائفه بإخلاص وعلى الوجه الأكمل، وأن يزاولها مع مراعاة احترام الدستور وقوانين الجمهورية الإسلامية الموريتانية..

وإن كان لي أن أقترح على محضري حفل التنصيب المحتمل، بصفتي مواطنا موريتانيا، فإنني أشير عليهم بانتداب أحد أعلام العلم والصدق لإنارة الرئيس أمام الملأ حول أهمية اليمين وخطورة الحنث فيه على أن يكون ذلك بأسلوب علمي وشرعي بعيد عن منهج التملق المنتشر في هذه البلاد.

سيكون تحولا جذريا في طبيعة "statut" الجنرال محمد ولد عبد العزيز فبعد أن كان خصما للدستور سيتحول خلال لحظات إلى حاميه ومجسد الدولة وسيعهد إليه بأن يضمن بوصفه حكما السير المضطرد والمنتظم لمؤسساتها.

لقد سمعت الجنرال محمد ولد عبد العزيز، في أول تصريح له بعيد إعلان نتائج الإنتخابات، يصدع بأنه سيحارب الفساد بالقانون.. وقعت الكلمة مني موقع الماء الزلال من ذي الغلة الصادي.. ولو أن كلمة عابرة كهذه لا تكفي لإعادة الإعتبار لقوانين انتهكت مؤخرا على نطاق واسع إلا أنها ربما كانت بادرة تحول في سلوك من كنا نعتقد أنه بتعطيله للدستور، وتجاوزه في حق الخصوم الذين أدينوا مسبقا بالفساد، كان يقارع الفساد الأصغر بفساد أكبر.

إنه لا يضير الرئيس الشرعي الآن الإعتراف بالتجاوزات التي طبعت الفترة الإستثنائية المنقضية، فلقد تجب الشرعية ما قبلها، ولربما أسهمت المجاهرة بالإعتراف بالخطأ في التأسيس لثقة المواطنين في ولي الأمر لأنها توحي بمخائل صدق مشروع محاربة الفساد الذي تبناه ورفعه كشعار..

ولربما أفاد الرئيس من استحضار ما ترجمته له الحقبة الإستثنائية من إختلالات بالغة في أداء مؤسسات دولة جاهر مشرعوها بالوقوف ضد مقتضيات الدستور ورضي قادتها لنظامهم القضائي الإسهام في تنفيذ الأجندة السياسية وسكت فقهاء القانون فيها على تذبذب وهشاشة استنتاجات مجلسها الدستوري.

من واجب الرئيس المنتخب الآن أن يعمل على إقامة مؤسسات دولة ينصاع فيها الجميع لمقتضيات الدستور ويخضع مواطنوها دون تمييز للنصوص المصادق عليها من السلطة التشريعية، ويعهد بإقامة العدل فيها لقضاة لا يخضعون لغير القانون وعلى الرئيس أن يستشعر دون حرج بأنه إنما سيمارس السلطة التنفيذية التي تتمثل مهمتها في تنزيل النصوص إلى أرض الواقع ولن يكون مسيطرا على باقي السلطات وإن تعين عليه العمل بالطرق الشرعية على الإرتقاء بالسلطة التي تسن القوانين وتلك التي تفصل النزاعات وربما تعين هد الأركان، بطرق مدنية لا انقلاب فيها، حتى تتسنى إقامة الأسس على أرضية قوية من المعرفة والحياد والنزاهة.

انواذيبو بتاريخ 30 يوليو 2009