04.08.2009 17:53

موريتانيا من حكم جنرال منقلب إلى حكم جنرال منتخب

سيدي محمد ولد أحمد طالب

سيدي محمد ولد أحمد طالب

فاجأ ولد عبد العزيز الموريتانيين فجر السادس أغسطس الماضي بانقلابه على أول رئيس مدني منتخب كرده فعل منه على قرار عزله حسب ما صرح به هو نفسه وأكد أنه لو تم التراجع عن القرار لما وقع الإنقلاب، ورغم محاوله الكتائب المدنيه وصف ما حدث بأنه حركه تصحيحيه لا مناص منها لرد البلاد إلى جاده الصواب إلا أنه لايخفى على ذي لب أن الإنقلاب دفاع عن المناصب وأن قرار العزل هو سببه الأساسي، ولا يمكن أن نتجاهل حاله التوتر السياسي والأمني التي كانت تعيشها البلاد والتي يتحمل الجنرال ورفاقه كفلا منها.


وقد مثل الإنقلاب صدمه كبيره للذين ظنوا أن البلد بعد المرحله الإنتقاليه كان قد وضع على سكه الديموقراطيه وأنه مهما يكن حجم المشاكل التي سيواجهها ففي الدستور والمؤسسات المنتخبه غنى عن اللجوء إلى قوه السلاح.


ولتنظيم جهود المطالبين باستعاده النظام الشرعي تشكلت الجبهه الوطنيه للدفاع عن الديموقراطيه لتقود المسيره وتعطي لموريتانيا وكل المنطقه مثالا نادرا في النضال والتحدي وصورا حيه من التشبث بالحقوق والدفاع عنها، وفي ظل سيطره الإنقلابيين على وسائل الإعلام العموميه وتجنيدها للنيل من المعارضين والتفنن في ابتكار مبررات للإنقلاب و تزيين "حركه التصحيح" و استعمال كل أساليب الترغيب والترهيب لوأد أي تحرك معارض في الداخل وجدت الجبهه نفسها مضطره لإيلاء الخارج النصيب الأوفر من نشاطها معوله على صواب موقفها و على الإتفاقيات التي وقعتها موريتانيا مع المجموعه الدوليه وشركائها في التنميه، وبرغم كل ذلك و ما اعتبر أخطاء استيراتيجيه ارتكبها عزيز فقد كان موقف الخارج عموما مخيبا للآمال واتضح طغيان المصالح على المبادئ وبدا أن الدول الكبرى مقتنعه بأن مواجهه العسكر مضره بمصالحها المقدمه طبعا على حق الموريتانيين في الديموقراطيه واختيار من يحكمهم، وكان أقصى ما قدمه الخارج من دعم هو المطالبه بحل توافقي و بالجلوس إلى طاوله المفاوضات ولو تحت سلطه الجنرال وفي إطار الأيام التشاوريه التي لم تكن سوى مسرحيه سيئه الإخراج !!

وأبانت التجربه عن أن أمريكا وإسرائيل -على جلاله قدرهما- ليس بإمكانهما دائما فعل الكثير وأن ليس من المستحيل العيش خارج ظلهما على الأقل في هذا الجزء القصي من العالم.

وبالرغم من العقبات الكثيره فقد وقفت الجبهه حجر عثره في طريق الإنقلابيين وأفشلت خططهم ولقنتهم درسا يصعب نسيانه وجعلت طريق الإنقلابات أشد وعوره من ذي قبل، وسيفكر الضباط مستقبلا ألف مره قبل خوض مغامره الإطاحه برئيس منتخب.

حمله سابقه لأوانها

بعد استيلائه على السلطه أعلن عزيز -على غرار إخوانه الإنقلابيين- نيته تنظيم انتخابات رئاسيه دون أن يعطي موعدا محددا لها، ومع بروز معارضه داخليه قويه ورفض الخارج تطبيع العلاقات مع نظامه تأكد أن ليس للجنرال بد من خوض غمار المنافسه الإنتخابيه فبدأ يعد العده وشرع في الحمله الإنتخابيه وكل موارد الدوله تحت إمرته ورهن إشارته فاستنفرت وسائل الإعلام العموميه للعب دور ليست بعيده العهد به وتم القيام بإنجازات استعراضيه لم تصدر عن دراسه أو تخطيط حولت لها أموال برامج أخرى، وبعد أن طاف الجنرال الطامح البلاد طولا وعرضا و أنهى جولاته المكوكيه قدر أنه قد حان وقت الحصاد فقرر إجراء الإنتخابات، ووقعت الجبهه اتفاق داكار تحت ضغط المجموعه الدوليه مدركه أن عامل الوقت ليس في صالحها.


فوز الجنرال بين الرفض والقبول

فاجأ ولد عبد العزيز الموريتانيين مره أخرى بفوزه في انتخابات 18 يوليو وحسم السباق في الشوط الأول بنسبه لم يكن يتوقعها الكثيرون، لكن مؤيديه لايرون في الأمر مايدعو للإستغراب و يعتبرون فوز مرشحهم نتيجه لنيله ثقه الغالبيه العظمى من الشعب التي يمثلها الفقراء وضحايا أنظمه الإستبداد بعد أن سخر كل جهوده لخدمتهم والتقرب منهم ووجه خطابه إليهم بشكل خاص، وإذا كان تغليب الموريتانيين للبرنامج الإنتخابي على الولاء للقبيله والجهه والعرق أمرا ليس مسلما به فمما لا شك فيه أن الجنرال استقطب بعض هؤلاء بتبنيه خطاب المعارضه التقليدي و بسبب ظهور مرشحي الأخيره في أعين ناخبيهم كمن يريد إعاده أنظمه سابقه بتأهيل رموزها والتحالف معهم، فضلا عن أن مطلب الدفاع عن الديموقراطيه الذي رفعته الجبهه يأتي متأخرا في أولويات المواطن العادي بعد الخبز والماء والدواء ، كما أن عزيز استمال قلوب مواطنين آخرين بقطعه للعلاقات مع إسرائيل ومشاركته في قمه الدوحه إلى جانب زعماء دول الممانعه وقاده حركه حماس
.
ورأى المنافسون الرئيسيون أن نتيجه الإنتخابات غير منطقيه وأن وراءها عمليات تزوير واسعه النطاق، غير أن تقديم الأدله الملموسه والبينات على تلك الدعوى ليس من السهوله بمكان، ويزيد من صعوبه مهمه هؤلاء إعلان النتائج من طرف وزير الداخليه المحسوب عليهم ورفض المجلس الدستوري طعونهم واستعداد المجتمع الدولي للتعامل مع الرئيس الجديد وتململ كثيرين من طول أمد النضال.

وسواء كان رفض الإعتراف بالنتائج موقفا موضوعيا أو تكتيكيا ، يبدو أنه ليس أمام المرشحين الخاسرين من خيار سوى استخلاص الدروس من الهزيمه والإستعداد لمعارضه عزيز رئيسا منتخبا بعد أن عارضوه جنرالا منقلبا.

آمال ومخاوف

يبعث فوز "مرشح الفقراء" الأمل لدى شرائح من المواطنين مسهم الضر كثيرا ونسيتهم ساكنه القصر والمهتمون بالسياسه ردحا طويلا واتخذ منهم الجنرال موضوع خطاب حملته الرئيسي وصمت آذانهم وعوده المتكرره بإعلان حرب لاهواده فيها على الفساد وأهله واستبشروا بإنجازاته واعتبروها دليلا على صدق نواياه، نرجو أن لاتخيب ظنونهم و أن لايكون ما يرونه كسراب بقيعه.

وفي المقابل يرى آخرون أن رئاسه الجنرال ستكون فرصه ذهبيه لإحكام الجيش قبضته على الحياه السياسيه ووضع أسس دوله الجنرالات وبسط الرئيس سيطرته المطلقه على كل السلطات وتفرده بالقرار ،كما يتخوف البعض من مواصله تصفيه الخصوم وسجنهم و اعتماد المحسوبيه والزبونيه في التوظيف و معاقبه كل من عارض "حركه التصحيح".


الكره الآن في مرمى الرئيس ليصدق مخاوف هؤلاء أو آمال أولئك أو يكذبها، و يرجع إليه القيام بخطوات ضروريه لتجاوز الإحتقان و مد جسور الثقه مع جميع الأطراف وتوفير جو السكينه والهدوء الضروري لاستئناف العمليه التنمويه التي لم تعد تحتمل التأجيل، و أعتقد أن من أكثر الخطوات إلحاحا أن يعلن الرئيس عزمه الإكتفاء بعهدتين وعدم رغبته في تغيير الماده الدستوريه المتعلقه بهذه النقطه، و إنهاء احتكار وسائل الإعلام العموميه وفتحها أمام جميع الفاعلين السياسيين للتعبير عن آرائهم بكل حريه.

وبغض النظر عن الإختلاف في قبول النتائج أو رفضها أعتقد أن الجميع يحذوهم الأمل في أن يحمل قابل الأيام للوطن الرفاه والتقدم وأن يفي الرئيس الجديد بالقسم الذي سيؤديه وأن يؤدي وظائفه بإخلاص مع احترام دستور وقوانين الجمهوريه الإسلاميه الموريتانيه.

ولا شك في أنه قد آن الأوان لهذا الشعب الذي عانى طويلا من الجوع والفقر أن يرتاح وأن ينعم بخيرات بلاده الغنيه، وأعتقد أن ذلك لن يتم إلا بوضع أسس دوله القانون والمؤسسات وبفتح المجال أمام جميع الموريتانيين للمساهمه في بناء وطنهم دون إقصاء أو تمييز.