الإعلام الرسمي ينحرف 180 درجة


في مارس 2007 انتخب الموريتانيون في أول مرة في تاريخهم بشكل نزيه وشفاف السيد سدي محمد ولد الشيخ عبد الله كرئيس لهم لمدة 5 سنوات يمكن تجديدها حسب الدستور مرة واحدة فقط بعد حصوله في الشوط الثاني على أكثر من 52% مقابل حوالي 48% لمنافسه ولد داداه، وجاءت تلك الاتخابات تتويجا لمرحلة انتقالية شهدت انتخابات بلدية وبرلمانية أعطت لموريتانيا سمعة ومكانة لائقة بين دول العالم وصارت مثالا نادرا في العالم العربي والافريقي.

وفي 19 ابريل 2007 تم تنصيب الرئيس الجديد والمنتخب في حفل حضره ممثلون عن المنظمات الدولية ووفود رفيعة المستوى من أغلب دول العالم بينها رؤساء العديد من الدول من مختلف القارات

وخلال 14 شهرا بعد تنصيب أول رئيس موريتاني منتخب عرف الإعلام الرسمي نقلة نوعية لم يكن أحد ليتوقعها في هذا الظرف القصير بعد عشرات السنين من الأحادية وحجب أي رأي معارض أو مخالف .
14 شهرا من حكم الرئيس الشرعي المنتخب السيد سيدي محمدولد الشيخ عبد الله كانت الإذاعة والتلفزيون الرسميان مفتوحان بما في الكلمة من معني على جميع الأطياف السياسية واستضاف التلفزيون الرسمي زعماء الأحزاب المعارضة مثل استضافته لزعماء أحزاب الأغلبية وظلت حرية التعبير والكلمة هذه متاحة في وسائل الإعلام الرسمية إلى أن جاء أسود يوم في تاريخ حرية الإعلام الموريتاني والمتمثل في 6 أغسطس 2008 حيث قام ضباط معزولون من مناصبهم بطريقة شرعية وقانونية بعملية تمرد عسكري مستخدمين كتيبة من الحرس الرئاسي و نفذوا انقلابا على الشرعية الدستورية ونسفوا جهود 3 سنوات متتالية من إرساء ديمقراطية لايزال الجميع يعلم أننا في بدايتها.

أول ضحايا هذا الانقلاب المشؤوم هو وسائل الإعلام الرسمية، حيث قام الإنقلابيون بعزل القائمين على تلك المؤسسات عقابا لهم على نشرهم لبيان عزلهم واستبدالهم بشخصيات موالية لهم، كما تم اعتقال بعضهم وسجنهم لبعض الوقت قبل أن يفرج عنه بعد ذلك وتمت مطاردة البعض الآخر والبحث عنه.

ومن ذلك التاريخ تحولت وسائل الإعلام الرسمية (الإذاعة - التلفزيون -وكالة الأنباء الموريتانية) إلى أبواق إعلامية تطبل للانقلاب وتستخدم الداعية المغرضة لتضليل الرأي العام الوطني والدولي، وتحولت البرامج الحوارية التي كانت في السابق تدار بشكل حر وجدي إلى برامج للتصفيق للحكام الجدد وتمجيدهم وكيل التهم والذم لكل المناوئين للانقلاب أو للرئيس الشرعي المنتخب ومن يقفون إلى جانبه أو من تربطهم به علاقة. وهو ما حدى بقائد كتيبة البرلمانيين المؤيدة للانقلاب سيدي محمد ولد محم إلى القول في أحد تلك البرامج إنه محرج لكونه في برنامج حواري جميع الجالسين فيه يمثلون وجهة نظر واحدة.

ولم يعد لتلك المؤسسات الإعلامية من برامج سوى نقل مسيرات غير موفقة لم يستطع حتى المنظمون لها أن يخرجوها بطريقة جيدة يمكن أن تخدع أحدا، حيث هي مسيرات أراد منها الانقلابيون نقل صورة تأييد شعبي لهم، فأظهرت مجموعات من البشر المغلوبة على أمرها تشارك في مسيرات يقودها الجيش والشرطة ويرغم عمال الدولة على المشاركة فيها ويتم استخدام وسائل الدولة في سبيل تمويلها وانجاحها ويتبادل على الخطب فيها رجال تعودوا المشاركة والخطابة في مسيرات مؤيدة لكل حاكم والشعب الموريتاني يعلم أن نفس الوجوه ستتظاهر غدا وتقود مسيرات مؤيدة لمن يأتي بعد الإنقلابيين.

هذه الانتكاسة التي تشهدها وسائل الإعلام الرسمية تثبت أن الانقلابيين بعيدون كل البعد من الديمقراطية والحريات خلافا لما يردده أنصارهم من أنهم أتوا لإنقاذ الديمقراطية.

هذه الارتكاسة جعلت بعض الاعلاميين الأحرار يقدمون استقالتهم ويعلنون على الملأ أن هذه المؤسسات قد انحرفت و تحولت إلى أبواق دعائية قل أن يوجد نظيرها في أعتي الدكتاتوريات. و ليست استقالة مستشار مدير التلفزيون ومقدم البرامج الصحفي إسحاق ولد المختار إلا مثالا على رفض الموريتانيين لهذا الانقلاب الذي لم يقتصر على الرئيس الموريتاني الشرعي بل كان 6 أغسطس 2008 انقلابا ورجوعا إلى الوراء في كل الميادين وفي مقدمتها مجال الإعلام وحرية الرأي والتعبير.

هذه الوضعية تجعل من واجبنا العمل على إفشال هذا الانقلاب واستعادة الشرعية الدستورية واحترام خيار الشعب الموريتاني ثم تجعلنا مطالبين وبشكل ملح إلى ضرورة أن نصلح قطاع اللإعلام الرسمي ونجعله مستقلا بما في الكلمة من معني عن السلطة التنفيذية حتى يتسطيع لعب دوره في كل الظروف والأزمات.

واقتراحنا المستفاد من هذه المرحلة هو أنه لابد من أن يتم وضع قوانين تمنع على الرئيس عزل القائمين على وسائل الإعلام وأن يتم اقتراحهم أو انتخابهم بمشاركة الحكومة وبعض مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، ثم يتم انتخابهم وتكليفهم لمدة زمنية محددة كأربعة سنوات مثلا قابلة للتجديد مرة واحدة لايجوز عزلهم إلا إذا انحرفوا عن رسالتهم الإعلامية ولايتم ذلك بقرار من الرئيس بل من هيئات ومؤسسات واضحة محددة.

حينها سنضمن أنه لن تظل وسائل الإعلام الرسمية لعبة في يد كل حاكم يختار لإدارتها أقرب المقربين له فيحولونها بين عشية وضحاها لأبواق دعائية له ويملؤوها حربا إعلامية على خصومه.

حينها سنضمن أن الصحفي العامل بها سيكون آمنا من العزل من منصبه من قبل الرئيس أو الوزير، بل هو مسئول أمام مجلس إدارة مسئول ومحترم مستقل تماما عن السلطة التنفيذية، وسيكون قادرا على أداء مهمته الإعلامية ولن يظهر لنا في برامج رديئة في مسرحيات هزيلة لم يستطع هو الاقتناع بها أولا قبل أن يخرجها للآخرين ويحاول إقناعهم بها كما هو حال تلفزيون وإذاعة موريتانيا اليوم بعد انقلاب 06 اغسطس المشؤوم

حينها سنضمن أننا لن نتابع في وسائل إعلامنا صحافة تتقلب مواقفها وبرامجها دون حياء ولاخجل، وحينها لن يجد صحافة مثل تقي الله الأدهم وأعمر ولدبوحبيني ومن على شاكلتهما متابعين لبرامجهما إلا إذا التزموا بقدر من الحياء وشيئ من المهنية .